أحمد بن محمد المقري التلمساني

19

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فيا ربّ برد العفو هب لي إذا غلت * من الحرّ في يوم الحساب دماغ فمن حرق للنفس فيه لواعج * ومن خجل للوجد فيه صباغ وعظتك نفسي لو أنبت ، وفي الذي * وعظت به لو ترعوين بلاغ « 1 » وأنشد القاضي أبو البركات في هذا الرويّ قول شيخه الأستاذ أبي علي بن سليمان القرطبي : [ الطويل ] ألا هل إلى ما أرتضيه بلاغ * وكيف يرى يوما إليه فراغ وقد قطعت دوني قواطع جمّة * أراع لها مهما جرت وأراغ وما لي إلّا عفو ربّ وفضله * ففيه إلى ما أرتجيه بلاغ وكان القاضي أبو البركات من بيت كبير علما وصلاحا وزهدا ، وجدّه الإمام الولي العارف سيدي أبو إسحاق بن الحاج أشهر من نار على علم ، وقبره مشهور بمراكش وقد زرته بها ، وله كرامات مشهورة . وحكى في « مزية المرية » من كراماته جملة ؛ قال حفيده الشيخ أبو البركات : دخلت على الشيخ الصالح العابد المجتهد الحاج أبي عبد اللّه محمد بن علي البكري ، المعروف بابن الحاج ، في منزله بألمرية عائدا قال : أظنّه في مرضه الذي مات فيه فقال له حين سأله عن حاله : أدع لي ، فقلت له : يا سيدي ، بل أنت تدعو لي ، فقال لي : شرح اللّه صدرك ! ونوّر قلبك بنور معرفته ! فمن عرف اللّه لم يذكر غيره ، فقد حكى سيدي أبو جعفر بن مكنون عن جدّك قال : كنت مع سيدي أبي إسحاق بن الحاج بمراكش فقال لي : هل ترى في المنام شيئا ؟ فقلت : نعم ، أرى كأني في ألمرية أمشي من الدار إلى المسجد ، ومن كذا إلى كذا ، فأعرض عني وقال : ألا ترى إلّا اللّه ؟ قال : ثم مرّ به في أثناء كلامه ابنه محمد ، فقال لي : رأيت هذا ؟ واللّه ما أدري أنّ لي ابنا حتى يمرّ بي ، ولا أذكره إذا غاب عنّي ، ولا أرى إلّا اللّه ، انتهى . ومن تآليف أبي البركات ، رحمه اللّه تعالى ، كتاب ذكر فيه أخبار سلفه رضي اللّه عنهم ، وذكر جملة من كرامات جدّه سيدي أبي إسحاق المذكور ، نفعنا اللّه به . ومن شعر جدّه المذكور قوله : [ الطويل ] ألا كرّم اللّه البلاد بخطبة * هم حسنات الدهر لا نابهم خطب « 2 »

--> ( 1 ) أنبت : رجعت . وترعوين : تكفين عما أنت فيه . والبلاغ : الوصول إلى ما ترجين . ( 2 ) نابهم : ألمّ بهم وأصابهم . والخطب - بالفتح - المصيبة .